السعودية تضع خارطة طريق للاستدامة البحرية: لماذا هذا مهم لقطاع اللوجستيات؟

rafid logistics saudi jeddah رافد لوجستيات

السعودية تضع خارطة طريق للاستدامة البحرية: لماذا هذا مهم لقطاع اللوجستيات؟

هذا الشهر، أصبحت جدة نقطة ارتكاز للحوار البحري العالمي، حيث انعقد المؤتمر الدولي الثاني للاستدامة البحرية (SMIC 2025) بمشاركة قادة وصنّاع سياسات وخبراء من مختلف أنحاء العالم.

وعلى مدار عدة أيام، أبرزت فعاليات المؤتمر كيف أن المملكة العربية السعودية لا تعمل فقط على تعزيز قطاعها البحري، بل تعيد أيضًا صياغة دورها كمركز لوجستي عالمي ضمن مستهدفات رؤية السعودية 2030.

عشر اتفاقيات… ورؤية موحّدة

كان من أبرز محاور المؤتمر توقيع عشر اتفاقيات استراتيجية بين جهات سعودية وشركاء دوليين. وتنوّعت هذه الاتفاقيات بين شراكات مع وزارة الصحة لتعزيز رفاه البحّارة، وتعاون مع جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية (كاوست) لدفع البحث والتطوير في مسارات خفض الانبعاثات وإزالة الكربون.

كما تناولت الاتفاقيات قضايا محورية مثل إدارة النفايات، والنقل الآمن للمواد الخطرة، وبناء قدرات الجيل القادم من المتخصصين في القطاع البحري عبر شراكات مع جامعات وأكاديميات رائدة. وكل اتفاقية تعكس التزامًا طويل الأمد بالاستدامة والسلامة والابتكار.

قيادة إقليمية وعالمية

للمرة الأولى، استضافت المملكة اجتماع السلطات البحرية العربية بالتعاون مع المنظمة البحرية الدولية (IMO). وقد شكّل هذا الحدث محطة مفصلية تؤكد دور المملكة القيادي في تعزيز المواءمة التنظيمية إقليميًا، والتعاون الفني، وبناء القدرات في العالم العربي ضمن القطاع البحري.

وقد أشاد قادة عالميون، من بينهم ممثلون عن IMO وIALA، بقدرة السعودية على تحويل أهداف الاستدامة إلى مبادرات عملية وملموسة.

دفع الاستدامة والابتكار إلى الأمام

لم تقتصر جلسات النقاش وورش العمل على الأطر العامة والسياسات، بل تناولت خارطة طريق تطبيقية لإزالة الكربون من الشحن، ورقمنة العمليات، وتحديث الموانئ. ومن أبرز الموضوعات:

  • اللوجستيات الخضراء والموانئ الذكية: منظومات موانئ رقمية ومؤتمتة وكفؤة في استهلاك الطاقة.

  • استراتيجيات إزالة الكربون: مشاريع هجينة تقلّص استهلاك الوقود بنسبة تصل إلى 25%، والتزامات للوصول إلى صفر انبعاثات صافية بحلول 2050.

  • التنوع الحيوي البحري: مبادرات مثل خفض الضوضاء تحت الماء، وزراعة 100 مليون شجرة مانغروف ضمن مبادرة السعودية الخضراء.

  • تطوير رأس المال البشري: بناء المهارات المحلية ومنظومات الاعتماد والشهادات لضمان انتقال عادل تقوده التقنية للقوى العاملة.

مواءمة واضحة مع رؤية 2030

تضع رؤية السعودية 2030 أهدافًا واضحة لتحويل المملكة إلى مركز لوجستي عالمي يربط ثلاث قارات. وقد برهن SMIC 2025 أن الاستدامة ليست أجندة موازية، بل عنصر مدمج في صميم هذا التحول.

ومن خلال الجمع بين النمو الاقتصادي والرعاية البيئية، تؤكد السعودية أن تحديث قطاع اللوجستيات والمسؤولية البيئية ليسا خيارين متعارضين، بل مسارين متكاملين يعزّز كلٌ منهما الآخر.

لماذا هذا مهم؟ التموضع الاستراتيجي للمملكة

تتجاوز مخرجات SMIC 2025 مفهوم الاستدامة البحرية لتدعم تنافسية السعودية في اللوجستيات والتقنية:

  • تعزيز مكانة المركز اللوجستي العالمي: عبر إدماج الاستدامة في الموانئ وشبكات الشحن، تترسخ مكانة المملكة كحلقة وصل رئيسية بين آسيا وأفريقيا وأوروبا، وتصبح جدة وغيرها من الموانئ خيارًا أولًا لمسارات التجارة التي تبحث عن الكفاءة والامتثال للمعايير البيئية.

  • ريادة تقنية: التركيز على الموانئ الذكية والرقمنة والأمن السيبراني والأتمتة يرفع موقع السعودية كقائد إقليمي في تقنيات اللوجستيات، وينعكس على زيادة الرؤية والشفافية والكفاءة ومرونة سلاسل الإمداد.

  • جذب الاستثمار: مواءمة اللوجستيات مع التمويل الأخضر ومبادئ ESG يفتح الباب أمام المستثمرين الدوليين وخطوط الشحن العالمية التي تضع الاستدامة والابتكار ضمن أولوياتها، ما يسرّع تمويل المشاريع الكبرى ويدعم تنويع الاقتصاد وفق رؤية 2030.

  • صناعة المعايير إقليميًا: استضافة أول اجتماع للسلطات البحرية العربية يرسّخ دور المملكة كصانع للمعايير، لا مجرد متلقٍ لها، في التنظيم البحري والتحول الرقمي، ويجعل الرياض وجدة منصات لصياغة السياسات والابتكار التشغيلي.

  • قوى عاملة جاهزة للمستقبل: الاستثمار في التدريب والبحث والتطوير وتنمية المواهب يعني أن المملكة لا تبني موانئ ومنصات فقط، بل تبني رأس المال البشري القادر على استدامة النمو طويل الأجل في اللوجستيات والتقنية.

لقد كان البحر دائمًا وسيلة لربط الدول… لكنه اليوم يربط أيضًا مستقبل المناخ والاقتصاد وسلاسل الإمداد.

ومع SMIC 2025، ترسل السعودية رسالة واضحة: الطريق القادم أخضر، ورقمي، وتعاوني. هذه ليست محطة بحرية فحسب، بل خطوة استراتيجية في تموضع المملكة لوجستيًا وتقنيًا، تثبّت دورها كمركز عالمي للتجارة المستدامة.

Scroll to Top