ميزة حديثة عبارة عن “عمودًا فقريًا” سريعًا للتجارة عبر ثلاث قارات يربط الهند والخليج وأفريقيا وأوروبا، مع الخليج (وخاصة السعودية) كنقطة الوصل المركزية. بعض العناصر تحمل طابعًا رؤيويًا (مثل مقترح وصلة بحرية تحت الماء بطول 380 كم بين الهند وعُمان)، لذا ينبغي التعامل معها كتصورات مفاهيمية غير مؤكدة. لكن الاتجاه العام واضح: المملكة العربية السعودية تتموضع لتصبح حلقة الربط البرية والبحرية التي لا غنى عنها بين آسيا وأفريقيا وأوروبا.
من الفكرة إلى الممكنات التنفيذية
إطلاق الممر الاقتصادي الهندي–الشرق الأوسط–أوروبا (IMEC) في عام 2023 وضع الإطار السياسي والاقتصادي لتحريك البضائع والطاقة والبيانات بين الهند وشبه الجزيرة العربية وأوروبا. والسعودية تُعد عقدة محورية ضمن هذا الإطار.
وعلى الجانب السعودي، تتقاطع عدة مؤشرات عملية مع طموحات رؤية 2030 في اللوجستيات:
-
ارتفاع مناولة “موانئ” (Mawani): تعاملت الموانئ السعودية مع 320.8 مليون طن في 2024 (بنمو +14.45% على أساس سنوي)، مع ديناميكيات حاويات تعكس دورًا متناميًا في إعادة الشحن (Transshipment). كما تُظهر بيانات 2025 شهرًا بعد شهر استمرار الزخم.
-
إضافة ممرات لوجستية مخصصة: في جدة، أطلقت “موانئ” مشروع ممر ميناء–لوجستيات بطول 17 كم (جسور ومداخل متعددة المسارات) لتسريع حركة الشاحنات وتقليل الازدحام داخل المدينة.
-
تقدّم مشروع الجسر البري السعودي: مشروع السكك الحديدية (الرياض–جدة) يتقدم، مع تقارير عن التحضير لأعمال التنفيذ، وأفق إنجاز مستهدف يقارب 2030 ليصبح العمود الفقري لحركة داخلية “محددة بالوقت” تربط ساحلي البحر الأحمر والخليج.
السعودية كمفصل بين الهند وأفريقيا
تظل العلاقات التجارية بين السعودية والهند عميقة واستراتيجية (السعودية هي خامس أكبر شريك تجاري للهند، والهند ثاني أكبر شريك تجاري للسعودية). وفي السنة المالية 2023–2024 تجاوزت قيمة التبادل 43 مليار دولار أمريكي، وهو أساس كبير مرشح للنمو مع نضج الممرات.
غربًا وجنوبًا، توسّع الرياض استراتيجيتها تجاه أفريقيا. ففي القمة السعودية–الأفريقية (2023)، أشارت المملكة إلى أكثر من 25 مليار دولار كاستثمارات محتملة، و10 مليارات دولار كتمويل للصادرات، و5 مليارات دولار كتمويل تنموي—وهي رؤوس أموال قادرة على تحفيز مشاريع الموانئ والسكك الحديدية والتصنيع الزراعي والمناطق/المتنزهات اللوجستية في القارة.
حيث يلتقي تصور “الممر” بالتنفيذ
يمكن النظر إلى الممر عبر ثلاث طبقات مترابطة:
-
بوابات بحرية وموانئ: ميناء فادهافان في الهند، وموانئ السعودية على البحر الأحمر والخليج العربي، وموانئ شرق المتوسط—جميعها توسّع الطاقة الاستيعابية والرقمنة لاستقبال سفن أكبر وتسريع زمن الدوران.
-
محاور برية من سكة وطرق: الجسر البري السعودي عنصر محوري، لأنه يخفض زمن العبور عبر المملكة ويمكّن سلسلة بحر–سكة/بر “محددة بالوقت” تربط آسيا بأوروبا وتُرسّخ المملكة كقلبها التشغيلي. وتشير بعض التحليلات إلى فجوات تمويل وعُقد لوجستية محددة (مثل ترابط السعودية–الإمارات ونقاط الربط مع الأردن)، ما يبرز الحاجة لاستثمارات مستمرة وموجهة.
-
ممرات لوجستية ومناطق صناعية: ممرات “ميناء إلى منطقة لوجستية” في السعودية (مثل جدة) ومراكز لوجستية/صناعية متوائمة مع رؤية 2030 (الرياض، نيوم) تسحب التصنيع والتجميع والخدمات ذات القيمة المضافة إلى قرب تدفق البضائع.
لماذا يهم هذا الآن؟
-
المرونة مقابل نقاط الاختناق: تنويع المسارات بعيدًا عن الاعتماد على طريق بحري واحد (مثل اضطرابات قناة السويس) عبر إضافة مسارات برية مدمجة بالسكك داخل السعودية يرفع موثوقية الشحن للمصدرين والمستوردين (في سياق IMEC).
-
السرعة والكلفة: الربط الداخلي “المحدد بالوقت” مع موانئ حديثة يضغط زمن التوريد ويقلل المخزون، وهو بالغ الأهمية لقطاعات السيارات والإلكترونيات والأدوية والسلع المبردة.
-
تحريك رؤوس الأموال: بين مستثمرين عالميين يطلقون منصات داخل السعودية وتمويل مشاريع بالشراكة بين القطاعين العام والخاص، تجذب المملكة رأس المال المؤسسي إلى اللوجستيات والبنية التحتية.
قد تتغير تفاصيل المخطط مع الوقت، لكن “مركز الثقل” بات واضحًا: السعودية تتحول إلى المفصل الذي يربط ماديًا وماليًا مصانع الهند بموارد أفريقيا وأسواق أوروبا. وبالنسبة لشركات الشحن والصناعة، فهذا هو توقيت إعادة تصميم الشبكات—مع السعودية كـ برج مراقبة لسلاسل الإمداد.