دخلت السعودية عام 2026 بنقطة مرجعية جديدة لأسعار الديزل: 1.79 ريال/لتر (سارية اعتبارًا من 1 يناير 2026) كما ورد في تحديث أسعار الوقود للبيع بالتجزئة من أرامكو السعودية.
بحد ذاته، قد يبدو ارتفاع بنسبة +7.8% (من 1.66 إلى 1.79 ريال/لتر) قابلًا للاستيعاب. لكن ضمن السياق، يؤكد أمرًا أكبر: الديزل لم يعد “تكلفة خلفية” مستقرة—بل أصبح متغيرًا استراتيجيًا يؤثر في تصميم الشبكات اللوجستية، ونماذج التسعير، وقرارات مستويات الخدمة.
التحول الهيكلي: من استقرار مدعوم إلى مسار مرتبط بالسوق
آلية المراجعة السنوية لأسعار الديزل لدى أرامكو السعودية (المُعتمدة منذ 2022) أحدثت مسارًا “متدرّجًا” واضحًا. وتشير قراءات السوق إلى أن مراجعة 2026 تعزز انتقالًا متعدد السنوات بعيدًا عن الوقود منخفض الدعم وباتجاه إطار أقرب للارتباط بعوامل السوق.
ماذا يتغير تشغيليًا؟ الديزل يصبح “مدخل تصميم” وليس بند فاتورة
عندما ترتفع تقلبات الديزل، تتطور استراتيجية الخدمات اللوجستية عادة عبر ثلاث طبقات:
1) التعاقدات والتسعير: تقاسم المخاطر يصبح ضرورة
العديد من اللاعبين في السوق يطبقون ذلك عبر آليات “ملحق الوقود/مؤشر الوقود” بدلًا من امتصاص المخاطر ضمن سعر ثابت.
أمثلة تطبيقية في السوق:
-
تشير أرامكس إلى أن ملحق الوقود المحلي يعتمد على أسعار الديزل في السعودية (كما تُعلن عبر وزارة الطاقة وأرامكو السعودية)، وتوفر جداول ربط (Diesel-index) تربط شرائح الأسعار بنسبة الملحق.
-
تطبق ناقل (NAQEL Express) ملحق وقود وتوضح أنه قابل للتعديل بناءً على أي تحديثات مستقبلية في أسعار الديزل/البنزين محليًا.
ماذا يجب أن يفعل الشاحنون الآن (بشكل عملي):
-
الانتقال من “سعر شامل ثابت” إلى سعر أساسي + مؤشر وقود شفاف (شهري أو ربع سنوي).
-
تحديد شرائح/عتبات تعديل واضحة (مثل التعديل لكل تغير 0.05–0.10 ريال/لتر) مع قواعد سقف/حد أعلى لضبط التقلبات.
-
الفصل بين منطق وقود الخطوط الطويلة (Linehaul) والميل الأخير (Last-mile) لأن محركات التكلفة تختلف (المسافة مقابل عدد التوقفات ووقت الخمول).
2) تصميم الشبكة: “أفضل موقع للمستودع” قد يتغير
ارتفاع خط أساس الديزل يكافئ بشكل مباشر:
-
تقليل الكيلومترات الفارغة (تخطيط العودة المحملة Backhaul، ربط الرحلات، حركات متواصلة Continuous moves)
-
رفع كثافة التوزيع (تصميم مسارات متعددة التوقفات، تقسيم المناطق إلى موجات توزيع)
-
قرارات أكثر ذكاءً حول مركزية/لامركزية الشبكة والـ Cross-dock (متى نُجمّع الشحنات ومتى نشحن مباشرة)
وهذا تحديدًا ما يجعل اللحظة “إعادة ضبط” لاستراتيجيات الشحن: الوقود لم يعد “هامش أمان”—بل أصبحت دقة التنفيذ وكفاءة الشبكة هي مصدر التفوق.
3) الأسطول والتنفيذ: تحسين الاستغلال يتفوق على التوسع
في بيئة وقود مرتفعة، تأتي أسرع الوفورات غالبًا من “رافعات دقيقة” يومية:
-
ضبط السرعات والتحكم في الخمول (Idle)
-
صيانة وقائية (الإطارات، الفلاتر، سلامة البخاخات/الحقن)
-
تدريب السائقين على السلوك الاقتصادي
-
تحسين المسارات + توزيع ديناميكي للطلبات (Dynamic dispatch)
-
مراقبة الوقود واكتشاف الشذوذ/التسرب/الاستهلاك غير الطبيعي
قد لا تبدو هذه الإجراءات “لامعة”، لكنها على نطاق كبير تصنع الفارق بين تآكل الهامش وحمايته.
الأثر المتسلسل يظهر سريعًا في إفصاحات الشركات المدرجة
ما يجعل هذا التغيير مهمًا هو سرعة انعكاسه في توجيهات التكاليف لدى الشركات—ثم انتقاله إلى المشتريات والتفاوض مع الموردين وفي النهاية إلى مناقصات النقل.
أمثلة من إفصاحات وتغطيات السوق:
-
أشارت المراعي إلى تكلفة مباشرة إضافية تقديرية تقارب ~70 مليون ريال لعام 2026 (بالإضافة إلى آثار غير مباشرة على سلسلة الإمداد).
-
أشارت أسمنت المنطقة الشمالية إلى توقع ارتفاع في تكاليف الإنتاج بنحو ~11%.
-
شركات أخرى (أسمنت، زراعة، تصنيع) أفادت بتأثيرات تكلفة مرتبطة بتعديل الديزل.
لماذا يهم ذلك للوجستيات؟ لأنه يسرّع سلوكين متوازيين:
-
ضغط أكبر على الأسعار (فرق المشتريات تطلب من الناقلين “تثبيت السعر”)
-
قبول أعلى لملحق الوقود (الفرق المالية ترى الوقود كمتغير مفهرس لا كفشل تفاوضي)
لماذا يدعم هذا التحول اللوجستي الوطني… ولا يعاكسه؟
تؤكد الاستراتيجية الوطنية للنقل والخدمات اللوجستية على التكامل ورفع الأداء والاستدامة المالية وتحسين التكلفة الكلية للملكية (TCO) لأصول النقل—والوقود عنصر مركزي في TCO.
بالتوازي، تتوسع طموحات المملكة في السكك الحديدية والنقل متعدد الوسائط:
-
شبكة السكك الحديدية في السعودية تجاوزت 6,000 كم مع خطط توسع إضافية (وفق ما ذُكر في تصريحات وزير النقل ورئيس مجلس إدارة “سار”).
-
يتكرر الحديث عن الجسر البري كمسار ربط شرق–غرب عبر نحو ~1,500 كم ضمن أهداف توسعة الشبكة.
كلما ارتفع الديزل بشكل هيكلي، تحسنت جدوى النقل متعدد الوسائط (خصوصًا في المسافات الطويلة والحمولات العالية). وحتى قبل اكتمال المشاريع الكبرى بالكامل، يدفع ذلك السوق نحو:
-
تخطيط أفضل للخطوط الطويلة
-
انضباط أعلى في التجميع (Consolidation)
-
طلب أكبر على الرؤية والتحليلات لتبرير كل ريال
قائمة تحقق بسيطة للشاحنين و3PL في 2026
إذا كنت تحدّث الاستراتيجية هذا الربع، فهذه نقطة بداية واضحة:
-
قياس التعرض: نسبة الوقود من تكلفة كل مسار (حسب المنطقة ونوع المركبة).
-
إعادة تسعير صحيحة: إضافة بند مؤشر وقود مع عتبات واضحة وحوكمة.
-
إعادة تصميم المسارات: تقليل الأميال الفارغة، رفع كثافة التوقفات، تحسين معامل الحمولة.
-
موازنة المخزون: مراجعة التمركز المركزي مقابل الإقليمي عندما تهيمن المسافات الطويلة.
-
رقمنة التنفيذ: تيليماتكس + تحسين التوزيع + تنبيهات شذوذ الوقود.
-
التخطيط بالسيناريوهات 2026–2027: ماذا لو تحرك الديزل 5–15% إضافية؟ ما أول نقطة ستنكسر؟
-
تعزيز التعاون: شبكات مستخدمين مشتركة، تحميل مشترك، أسواق أحمال العودة.
أين تتموضع رافد؟ (رؤيتنا)
في رافد، نرى أن هذه اللحظة تُظهر “ملف الفائز” في لوجستيات السعودية بوضوح: تنسيق مرن (Asset-light) مدفوع بالبيانات.
عندما يرتفع الديزل، تنتقل الأفضلية إلى المشغّل القادر على:
-
نمذجة اقتصاديات المسارات بدقة (Lane economics)
-
بناء تسعير شفاف مع العملاء
-
تنسيق مزيج الناقلين المناسب
-
تحسين التوجيه والاستغلال بشكل مستمر
-
تقديم تحليلات أسبوعية لتكلفة الخدمة (Cost-to-serve) يمكن للمشتريات والمالية الوثوق بها