يشهد قطاع الخدمات اللوجستية في المملكة العربية السعودية تسارعًا غير مسبوق. ففي الربع الثاني من عام 2025 وحده، تم تسليم أكثر من 50 مليون شحنة، وهو رقم قياسي يعكس حجم العمليات واتساعها، إلى جانب التطور المتسارع للبنية التحتية في المملكة. هذا النمو ليس مجرد زيادة في الأعداد، بل مؤشر على تحوّل عميق. وبدعم من رؤية السعودية 2030 وبرنامج تطوير الصناعة الوطنية والخدمات اللوجستية (NIDLP)، تتجه المملكة إلى توظيف التقنية لبناء منظومة لوجستية أكثر ذكاءً وسرعةً وشفافية.
التخزين والتعبئة المدفوعان بالتقنية
خلف هذه الأرقام موجة استثمارات كبيرة في التخزين والمستودعات والبنية التحتية لسلاسل التبريد. ومن المتوقع أن يصل سوق أنظمة التخزين في السعودية إلى 620 مليون دولار أمريكي بحلول عام 2028، مع تصدّر الرياض وجدة والدمام لوتيرة التوسع. كما شهدت لوجستيات سلسلة التبريد وحدها استثمارات تجاوزت 2 مليار دولار أمريكي في عام 2023، مدفوعةً بقطاعات الأغذية والتجارة الإلكترونية والصناعة.
وفي فعالية Saudi Smart Logistics 2025 التي أُقيمت في الرياض، تصدّرت الابتكارات المشهد:
-
كشفت KAPELOU عن سيور نقل آلية وروبوتات مع تكامل ذكي مع أنظمة إدارة المستودعات (WMS)، ما يقلّص الاعتماد على العمل اليدوي ويرفع القدرة التشغيلية ومعدلات الإنجاز.
-
عرضت BJT Pack مواد تغليف قابلة للتحلل وإعادة التدوير، مؤكدةً أن الاستدامة والكفاءة يمكن أن تتكاملا في الوقت نفسه.
هذه الحلول ليست أفكارًا نظرية، بل تُطبَّق اليوم فعليًا، وتعيد تشكيل طريقة تدفق البضائع من وإلى المملكة.
زخم استراتيجي تقوده رؤية 2030
تُعد اللوجستيات الذكية أحد الركائز الأساسية في خطة السعودية للتحول إلى مركز لوجستي عالمي. وتشير الأبحاث الأكاديمية إلى أن الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء والبيانات الضخمة وتقنيات البلوك تشين عناصر محورية لخفض التكاليف، وتعزيز الشفافية، ورفع مرونة سلاسل الإمداد. كما تُظهر الاستطلاعات أن 65% من المختصين في القطاع داخل المملكة يستثمرون بالفعل في التقنيات الذكية، بينما يخطط الآخرون لاعتمادها خلال العامين إلى الثلاثة أعوام المقبلة.
هذه ليست سياسة على الورق، بل توجه وطني نشط لتضمين القدرات اللوجستية المتقدمة في كل مراحل التجارة.
القيمة للمشترين والشركاء العالميين
بالنسبة للشركات التي تستورد إلى السعودية أو تُصدّر منها، فإن هذا التحول يعني:
-
مكاسب في الكفاءة: تسريع المعالجة، أتمتة العمليات، وتقليل فترات التعطل.
-
رؤية أوضح لسلسلة الإمداد: تتبع لحظي من المستودع حتى التسليم النهائي.
-
استدامة أعلى: مستودعات وتغليف صديقان للبيئة ومتوافقان مع أولويات ESG.
-
ثقة تنظيمية أكبر: أطر امتثال أقوى وخدمات عملاء محسّنة، كما يظهر لدى شركات التوصيل عالية الأداء مثل ناقل.
ببساطة: تصبح اللوجستيات في السعودية أكثر قابلية للتنبؤ، وأكثر شفافية، وأكثر تنافسية.
ما القادم؟
خلال المرحلة المقبلة، من المتوقع أن نشهد:
-
انتشارًا أوسع لتطبيقات التنبؤ بالطلب بالذكاء الاصطناعي والصيانة التنبؤية.
-
توسعًا في المستودعات الخضراء والمرافق المعتمدة على الطاقة المتجددة.
-
أتمتة عابرة للحدود مع دول الخليج لتجارة إقليمية أكثر سلاسة.
-
استثمارات في الكفاءات المتخصصة لصيانة الروبوتات، وتحليلات البيانات، وإدارة الاستدامة.
خلاصة
لم تعد السعودية مجرد مُصدّر للنفط، بل تتجه لتصبح مُصدّرًا لتميّز لوجستي. وبالنسبة للمشترين العالميين، فهذا يمثل ميزة استراتيجية تخفّض التكاليف، وتقلّص أزمنة التسليم، وتفتح أبوابًا لأسواق جديدة. السؤال لم يعد: هل ستدمج السعودية في سلسلة إمدادك؟ بل: ما مدى سرعتك في القيام بذلك؟