يشهد قطاع الخدمات اللوجستية في المملكة العربية السعودية واحدًا من أسرع وأكبر تحولات القطاع عالميًا. من الموانئ الذكية والمستودعات المؤتمتة، إلى المشتريات الرقمية والرؤية الشاملة لسلسلة الإمداد من البداية إلى النهاية، تعيد المملكة تعريف ملامح منظومة سلاسل الإمداد الحديثة.
وفي قلب هذا التحول توجد أداة يستهين بها كثيرون: الهاكاثونات اللوجستية.
فهذه المنصات الابتكارية، مثل هاكاثون لوجستيات الحج الذي أُعلن عنه مؤخرًا ضمن مؤتمر ومعرض الحج، لا تكتفي بتوليد الأفكار. بل تبني محركًا وطنيًا للمواهب والتقنية وحل المشكلات الواقعية، بما يعيد تشكيل مستقبل اللوجستيات في المملكة.
الحج: المختبر اللوجستي الأعقد في العالم
يُعد موسم الحج من أكثر العمليات اللوجستية السنوية تعقيدًا على مستوى العالم: ملايين الحجاج، جداول زمنية دقيقة، جغرافيا مزدحمة، ومساحة صفرية للخطأ.
ومن خلال إطلاق هاكاثون متخصص في لوجستيات الحج، تحوّل السعودية هذه العملية العملاقة إلى بيئة بحث وتطوير عالمية (R&D)، تستقطب المبرمجين والمبتكرين والطلاب لتصميم حلول عملية تشمل:
-
النقل وتنسيق الأساطيل
-
إدارة الحشود
-
سلاسل الإمداد وتوزيع الموارد
-
خدمات الصحة والسلامة
-
التجربة الرقمية للحاج
هذا ابتكار ذو هدف واضح. فكل فكرة تُطوّر ضمن الهاكاثون يمكن أن تُحدث أثرًا مباشرًا على سلامة وراحة وتجربة ملايين ضيوف الرحمن.
والأهم أن هذه الحلول تحمل قابلية للتطبيق عالميًا، ما يرسّخ السعودية كقائد في “لوجستيات الفعاليات العملاقة” القابلة للتصدير معرفيًا وتقنيًا.
لماذا تهم الهاكاثونات اللوجستية القطاع؟
حول العالم، أصبحت هاكاثونات اللوجستيات أداة قوية لتسريع الابتكار، لأنها:
-
تختصر أشهرًا من البحث والتطوير إلى 48–72 ساعة
-
تفرض تعاونًا بين المبرمجين والمهندسين والمشغلين وخبراء البيانات
-
تنتج نماذج أولية قابلة للتجربة وليس مجرد عروض تقديمية
-
تولّد شركات ناشئة ومنصات وتقنيات تتحول إلى أعمال حقيقية
-
تعالج تحديات تقنية عميقة مثل تحسين المسارات، التنبؤ بالطلب، وأتمتة المستودعات
وبالنسبة للسعودية، حيث يُعد قطاع اللوجستيات أولوية وطنية ضمن رؤية 2030، تتضاعف أهمية هذه الهاكاثونات.
فهي تمنح المملكة آلية منخفضة المخاطر وعالية العائد لاختبار الأفكار، واكتشاف المواهب، وتسريع المشاريع الوطنية.
كيف ترتبط الهاكاثونات مباشرة برؤية 2030؟
تتصل الهاكاثونات اللوجستية برؤية 2030 عبر ثلاثة محاور رئيسية:
-
بناء الجيل القادم من المواهب السعودية في اللوجستيات
من الطلاب إلى المهندسين، تخلق هذه الفعاليات قاعدة وطنية من المبتكرين القادرين على الإسهام في نمو القطاع. -
تعزيز مكانة السعودية كمركز لوجستي عالمي
مخرجات الهاكاثونات تسرّع تحقيق أهداف برنامج تطوير الصناعة الوطنية والخدمات اللوجستية (NIDLP) عبر الموانئ والمدن والمناطق الصناعية. -
تطوير الحج والعمرة بالتقنية
تقديم تجربة أكثر سلاسة وأمانًا وذكاءً لملايين الحجاج والمعتمرين عبر حلول قابلة للتطبيق والتوسع.
السعودية لا تقوم فقط بتحديث البنية التحتية اللوجستية، بل تبني حولها ثقافة ابتكار متكاملة.
الخلاصة
تُظهر السعودية أن الابتكار في اللوجستيات لا يأتي فقط من المشاريع الضخمة، بل يأتي من الناس والأفكار والتعاون المفتوح.
وصعود الهاكاثونات اللوجستية رسالة واضحة: المملكة لا تبني قطاع لوجستيات فحسب، بل تبني قوة ابتكار عالمية.
وهذه مجرد البداية.